ابن شعبة الحراني
388
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
يستوفي منها رزقه . ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته . يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا . يا هشام إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( 1 ) " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ( 2 ) . إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه . ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسره لعلانيته موافقا ، لان الله لم يدل ( 3 ) على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه . يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما من شئ عبد الله به ( 4 ) أفضل من العقل . وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى ، الكفر والشر منه مأمونان ( 5 ) . والرشد والخير منه مأمولان ( 6 ) . وفضل ماله مبذول . وفضل قوله مكفوف . نصيبه من الدنيا القوت . ولا يشبع من العلم دهره . الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره . والتواضع أحب إليه من الشرف . يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه . ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الامر ( 7 ) . يا هشام من صدق لسانه زكى عمله . ومن حسنت نيته زيد في رزقه . ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره .
--> ( 1 ) سورة آل عمران آية 7 . ( 2 ) الردى : الهلاك . ( 3 ) في بعض النسخ [ لا يدل ] . ( 4 ) في الكافي [ ما عبد الله بشئ ] . ( 5 ) الكفر في الاعتقاد والشر في القول والعمل والكل ينشأ من الجهل . وفي بعض النسخ [ مأمون ] . ( 6 ) الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناش من العقل . وفي بعض النسخ [ مأمول ] . ( 7 ) أي ملاك الامر وتمامه في أن يكون الانسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال . ( وافى ) .